سجّلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج ارتفاعًا ملحوظًا خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام المالي 2025/2026، في مؤشر يعكس تنامي الاعتماد عليها كأحد مصادر النقد الأجنبي، وسط تطورات اقتصادية مرتبطة بسوق الصرف واستقرار السياسات النقدية، ما يطرح تساؤلات حول أسباب هذا النمو ومدى استمراره وتأثيره على الاقتصاد المصري.
وفقًا لبيانات رسمية، ارتفعت التحويلات خلال الفترة من يوليو/فبراير من العام المالي الحالي بنسبة 28%، لتصل إلى نحو 29.4 مليار دولار، مقارنة بنحو 23 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام المالي السابق.
وعلى المستوى الشهري، شهد فبراير/شباط 2026 زيادة بنحو 25.7%، لتسجل التحويلات نحو 3.8 مليار دولار، مقابل نحو 3 مليارات دولار خلال نفس الشهر من عام 2025.
طارق متولي نائب رئيس بنك بلوم السابق، قال أن الارتفاع الكبير في تحويلات المصريين العاملين بالخارج يعكس مسارًا تصاعديًا واضحًا بدأ منذ سنوات، مدفوعًا بعدة عوامل رئيسية، في مقدمتها استقرار سوق الصرف في مصر، واختفاء الأسواق الموازية، إلى جانب تزايد ثقة المصريين بالخارج في القنوات الرسمية للتحويل.
أوضح، أن نمو التحويلات ليس ظاهرة مؤقتة، لكنه ملحوظ منذ أكثر من عامين أو ثلاثة أعوام، بالتزامن مع الإصلاحات الاقتصادية التي ساهمت في تعزيز استقرار النظام النقدي، مشيرًا إلى أن استقرار سعر الصرف ومرونته، مع غياب السوق السوداء، شكلا عنصرين حاسمين في تشجيع المصريين بالخارج على تحويل أموالهم عبر القنوات الشرعية.
أضاف، أن بعض المتغيرات الإقليمية، بما في ذلك حالة القلق في بعض أسواق العمل بالمنطقة، ربما دفعت أيضًا شريحة من المصريين إلى زيادة تحويلاتهم، إلى جانب التأثير الطبيعي لارتفاع معدلات التضخم عالميًا وزيادة تكاليف المعيشة، وهو ما يرفع بدوره حجم الأموال المحولة للأسر داخل مصر.
أشار إلى أن تحويلات المصريين بالخارج باتت ثاني أكبر مورد للنقد الأجنبي بعد الصادرات، بل تفوقت في بعض الفترات على إيرادات السياحة وقناة السويس، ما يجعلها عنصرًا رئيسيًا في دعم الاقتصاد الوطني، خاصة في ظل التحديات التي تواجه بعض المصادر الأخرى نتيجة التوترات الجيوسياسية أو تقلبات التجارة العالمية.
أوضح، إن أهمية التحويلات لا تقتصر فقط على توفير النقد الأجنبي، بل تمتد إلى دعم استقرار الجنيه المصري بشكل غير مباشر، من خلال تعزيز تدفقات العملة الأجنبية داخل الجهاز المصرفي الرسمي، موضحًا أن تأثيرها يظل مرتبطًا بمنظومة الموارد والاستخدامات الكلية للدولة، حيث تسهم بقوة في تخفيف الضغوط على سوق النقد الأجنبي حتى وإن كانت لا تمثل العامل الوحيد في بناء الاحتياطي النقدي.
أضاف، أن الاحتياطي النقدي لا يعتمد على مصدر منفرد، وإنما على إجمالي موارد الدولة من النقد الأجنبي مطروحًا منها الاستخدامات، إلا أن تحويلات المصريين بالخارج تمثل عنصرًا محوريًا في تحسين هذا التوازن، خاصة مع استمرار نموها واستقرارها خلال السنوات الأخيرة.
وشدد على أن الحفاظ على هذا النمو يتطلب استمرار السياسات النقدية الحالية، وعلى رأسها مرونة سعر الصرف، والحفاظ على سوق صرف منظم ومستقر دون عودة السوق السوداء، مؤكدًا أن وجود سعر عادل وحرية كاملة في التحويل عبر القنوات الرسمية يعزز الثقة لدى المصريين بالخارج ويدفعهم لضخ المزيد من مدخراتهم داخل الاقتصاد الوطني.
يرى، أن الاستقرار السياسي والأمني في مصر يمثل كذلك عاملًا مهمًا في جذب تحويلات المصريين، موضحًا أن الأموال دائمًا ما تبحث عن بيئة آمنة ومستقرة، وهو ما يجعل مصر وجهة أكثر جذبًا لمدخرات أبنائها بالخارج في ظل الاضطرابات التي تشهدها بعض الأسواق الإقليمية.
ماجد فهمي الرئيس الاسبق لبنك التنمية الصناعية، أكد إن الارتفاع القوي في تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال الفترة الأخيرة يرجع بالأساس إلى زيادة سعر الدولار أمام الجنيه، إضافة لاستقرار سوق الصرف وتوحيد سعر العملة واختفاء السوق الموازية، ما شجع المتعاملين على تحويل أموالهم عبر القنوات الرسمية.
أضاف، أن صعود الدولار من مستويات تقارب 47 جنيهًا إلى أكثر من 53 جنيهًا ساهم في زيادة قيمة التحويلات، باعتبار أن العاملين بالخارج أصبحوا يحصلون على عائد أعلى عند تحويل مدخراتهم للجنيه المصري.
أوضح، أن التحويلات تعد أحد أهم مصادر النقد الأجنبي الداعمة للاقتصاد، لكنها وحدها لا تكفي لتحسين الاستثمار أو جذب رؤوس أموال جديدة، لافتًا أن ذلك يتطلب تحسين مناخ الاستثمار، وتقليل أعباء الدولة على القطاع الخاص، وتقديم حوافز إنتاجية.
محمد بدرة الخبير المصرفي وعضو مجلس إدارة بنك القاهرة سابقا، قال إن زيادة تحويلات المصريين العاملين بالخارج تعود إلى عوامل جيوسياسية، دفعت العديد منهم لنقل مدخراتهم إلى الجهاز المصرفي المصري باعتباره أكثر أمانًا واستقرارًا، إضافة إلى رغبتهم في تجنب القيود التي قد تفرض على أموالهم في بعض الدول، وهو ما عزز اتجاههم لاستخدام القنوات الرسمية داخل مصر.
أوضح، أن هذه التحويلات ساهمت في تعويض جزء من تراجع بعض مصادر النقد الأجنبي، مثل انخفاض إيرادات قناة السويس نتيجة الظروف الجيوسياسية، وكذلك تراجع عائدات السياحة في بعض المناطق، رغم استمرار النشاط السياحي في مناطق أخرى، إلى جانب الضغط الناتج عن ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة، ما ساعد في تخفيف حدة العجز الدولاري بشكل جزئي.
أضاف، أن تأثير زيادة التحويلات على قوة الجنيه المصري يظهر بشكل غير مباشر من خلال دعم المعروض من النقد الأجنبي داخل السوق، مما يساهم في تعزيز الاستقرار النسبي للعملة، خاصة في ظل سياسة سعر الصرف المرن، مشيراً إلى إن الحفاظ على هذا النمو يتطلب توجيه هذه المدخرات نحو الاستثمار داخل مصر بدلًا من الاحتفاظ بها نقدًا، سواء في مشروعات عقارية أو صناعية، بما يحقق عوائد اقتصادية حقيقية، ويدعم جهود الدولة في جذب الاستثمارات وتعظيم الاستفادة من تحويلات المصريين بالخارج على المدى الطويل.
أشرف غراب الخبير الإقتصادى، أشار إلى تسجيل تحويلات المصريين العاملين بالخارج قفزة غير مسبوقة خلال العام المالي الحالي 2025/2026، حيث ارتفعت بنسبة 28% خلال الفترة من يوليو حتى فبراير، لتصل إلى نحو 29.4 مليار دولار، مقابل 23 مليار دولار خلال نفس الفترة من العام السابق.
أضاف، أن تحويلات شهر فبراير وحده سجلت نحو 3.8 مليار دولار، وهو من أعلى المستويات الشهرية التي تحققت في هذا الملف، موضحاً أن هذه الزيادة تعود إلى نجاح السياسات النقدية التي اتبعها البنك المركزي، خاصة بعد قرار تحرير سعر الصرف في مارس 2024، ما ساهم في القضاء على السوق الموازية للعملة وتحقيق استقرار سعر الدولار داخل البنوك.
أشار إلى أن استقرار السوق المصرفية عزز ثقة المصريين بالخارج في الاقتصاد، ودفعهم لزيادة تحويلاتهم للاستفادة من أسعار الفائدة المرتفعة، إلى جانب مبادرات طرح أراضٍ وعقارات بالدولار للمصريين بالخارج.
أكد ، أن تحويلات المصريين بالخارج تُعد ثاني أكبر مصدر للنقد الأجنبي بعد الصادرات، لافتًا إلى أن استمرار ارتفاعها ساهم في زيادة الاحتياطي النقدي الأجنبي الذي بلغ نحو 52.8 مليار دولار بنهاية مارس الماضي، ما دعم الاستقرار الاقتصادي وساعد في تعويض العجز التجاري.
أضاف، أن تدفق هذه التحويلات يعزز قوة الجنيه تدريجيًا، ويساهم في توفير العملة الأجنبية اللازمة لاستيراد المواد الخام، ما يدعم الإنتاج المحلي ويزيد المعروض من السلع ويخفف الضغوط التضخمية.
أشار إلى أن التوسع في تسهيل التحويلات المالية لعب دورًا مهمًا، خاصة عبر تطبيق إنستاباي، إلى جانب إصدار تراخيص لبنوك مصرية لتفعيل استقبال الحوالات الخارجية وإضافتها فورًا لحسابات العملاء عبر شبكة المدفوعات اللحظية.
بنوك اليوم إختار بنكك