أكد خبراء مصرفيون واقتصاديون أن قرار البنك المركزى تثبيت سعر الفائدة يعكس تبنى الدولة سياسة الحذر الاستراتيجى، خاصة فى ظل الأوضاع الإقليمية والدولية الراهنة.
يأتى ذلك فى الوقت الذى قررت فيه لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزى تثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماعها الأخير، حيث تم الإبقاء على سعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 19%، وسعر الإقراض لليلة واحدة عند 20%، وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزى وسعر الائتمان والخصم عند 19.5%.
فى البداية قالت سهر الدماطى، الخبيرة المصرفية، إن القرار يحمل دلالات مهمة تعكس تبنى سياسة الحذر الاستراتيجى، خاصة فى ظل الأوضاع الإقليمية والدولية المتقلبة.
أضافت، أن هناك عدة عوامل رئيسية دفعت البنك المركزى إلى تثبيت أسعار الفائدة، فى مقدمتها تصاعد التوترات الجيوسياسية، خاصة ما يتعلق بمضيق هرمز وتأثيره على أسعار الطاقة.
الدكتور أشرف غراب، الخبير الاقتصادى، أكد إن القرار يرجع إلى عدد من الأسباب، أهمها الضغوط التضخمية الناتجة عن التوترات الجيوسياسية العالمية.
من جانبه قال بلال شعيب الخبير الاقتصادى، إن القرار يعنى أن البنك المركزى يفضل سياسة الانتظار والترقب بدلًا من اتخاذ قرارات سريعة بالخفض أو الرفع، خاصة فى ظل حالة عدم اليقين العالمية الناتجة عن التوترات الجيوسياسية بالمنطقة.
أما الدكتورة حنان رمسيس الخبير الإقتصادى، أوضحت أن القرار الأخير الذي اتخذه البنك المركزي المصري بتثبيت أسعار الفائدة يُعد الإجراء الأمثل والأكثر صواباً في المرحلة الراهنة؛ نظراً لعدم ملاءمة خيار الرفع الذي من شأنه زيادة تكلفة الديون داخلياً وخارجياً بشكل لافت.
أضافت، أن معدلات التضخم العالمية مرشحة للاستمرار في الارتفاع المتوالي؛ نتيجة تأثر سلاسل الإمداد بالقفزات السعرية للنفط عالمياً، مؤكدة أن ارتفاع أسعار الطاقة يلقي بظلاله مباشرة على ملفات سلة الغذاء والنقل العالمية، وهو ما يُبقي معدلات التضخم في حالة تصاعد مستمر مدفوعة بالصراعات الجيوسياسية الراهنة في المنطقة.
أشارت إلى أن بعض الدول قد تضطر لرفع أسعار الفائدة لحماية عملاتها المحلية من الانخفاض أمام سلة العملات العالمية، إلا أن هذا الخيار في الحالة المصرية يبقى غير محبذ؛ نظراً لضغوط عجز الموازنة، مشيرة إلى أن أي تحريك صعودي للفائدة سيؤثر سلباً على اقتصاديات الدولة وقيمة العملة المحلية مقابل الدولار، كما سيعمق عجز الموازنة العامة، مما قد يؤدي لارتفاع التضخم حال استمرار توترات الشرق الأوسط.
ذكرت، أن ارتفاع تكلفة الدين يكبّد الدولة أعباءً باهظة، وهو ما دفع “المركزي” للجوء لسياسة التثبيت، في انتظار ما سيسفر عنه توجه الفيدرالي الأمريكي في الفترة المقبلة عقب سياساته التشددية لحماية الدولار، متوقعة أن يلجأ البنك المركزي المصري لتبني سياسات مالية موازية، من بينها تحريك سعر صرف الجنيه مقابل الدولار.
أضافت قائلة :”كلما ارتفع معدل التضخم، سيميل البنك المركزي نحو التثبيت وليس الرفع. أما في حال نجاح الحكومة في خفض معدلات التضخم على أساس شهري، فسيؤدي ذلك حتماً للجوء لخفض أسعار الفائدة؛ لما في ذلك من توفير ملموس لتكلفة الدين العام وتقليص لعجز الموازنة العامة للدولة”.
قال الدكتور عمرو يوسف، أستاذ الاقتصاد والتشريعات المالية والخبير الاقتصادي، إن البنك المركزي المصري خاض خلال الأشهر الماضية معركة شرسة لكبح جماح التضخم العالمي والمحلي، مؤكداً أن المعركة لم تقتصر على أداة “سعر الفائدة” فحسب، بل امتدت لتشمل أدوات نقدية متنوعة؛ كعمليات سحب السيولة الفائضة من القطاع المصرفي عبر “عمليات السوق المفتوحة”، في إطار سياسة انكماشية تهدف لتجفيف منابع السيولة الزائدة وتقليل الضغط على الأسعار.
أوضح، أن قرار التثبيت يحمل رسائل استراتيجية قوية، أبرزها: طبيعة التضخم، موضحاً2 أن التضخم الحالي “مدفوع بالعرض” نتيجة ارتفاع أسعار النفط عالمياً فوق مستوى 110 دولاراً، وتصاعد تكاليف الشحن بسبب توترات مضيق هرمز والبحر الأحمر، وليس “مدفوعاً بالطلب”؛ مما يجعل رفع الفائدة أداة غير فعالة لمواجهة صدمات خارجية المنشأ، وذلك بالإضافة إلى جاذبية الاستثمار، والمتمثلة في الحفاظ على استقرار استثمارات الأجانب في أدوات الدين المحلي، وضمان عدم خروج “الأموال الساخنة” وسط اليقين الجيوسياسي، لافتاً في الوقت ذاته إلى أهمية دعم الموازنة العامة للدولة من خلال تجنب زيادة أعباء خدمة الدين العام لتوفير سيولة نقدية تدعم القطاعات الإنتاجية.
يتوقع، مواجهة تحديات صعودية حادة في 2026، مشيراً إلى أن أثر التثبيت سيؤدي لـ”استقرار حذر” في الأسعار، لكنه قد لا يفلح في خفضها سريعاً مع استمرار الضغوط الخارجية، مشيراً إلى أن مستهدفات البنك المركزي (الوصول بالتضخم لـ ± 2 نقطة مئوية بحلول الربع الأخير من 2026) باتت “عرضة للمخاطر” بسبب استطالة أمد الصراعات الإقليمية.
ويتوقع الخبير الاقتصادي أن تظل سياسة (Wait-and-See) هي العنوان الأبرز لاجتماعات النصف الأول من 2026، مدفوعةً بخفض توقعات نمو الناتج المحلي إلى 4.9%، ومراقبة وتيرة التيسير النقدي في البنوك العالمية.
ومن جانبه، يرى الدتور إسلام جمال الدين الخبير الاقتصادى، أن قرار لجنة السياسة النقدية بتثبيت أسعار العائد يحمل رسالة صريحة برغبة البنك المركزي في “تعليق” دورة التيسير النقدي مؤقتاً دون إنهائها. وأوضح أن اعتماد نهج “الانتظار والترقب” يعني إبقاء الباب مفتوحاً لخفض الفائدة لاحقاً، شريطة وضوح مسار التضخم، مؤكداً أن هذا التحول يعكس حجم المفاجآت التي فرضتها التوترات الجيوسياسية في المنطقة على حسابات “المركزي.
أضاف، أن دلالات التثبيت كانت عبر ثلاث رسائل وجهها البنك المركزي للأسواق: الأولى (إدراك المخاطر)، وذلك من خلال اعتراف غير مباشر بحدة التطورات العالمية وصدمات الطاقة، وتأكيد على التعامل بجدية مع التغيرات التي طرأت منذ اجتماع فبراير الماضي.
والثانية (أولوية استقرار الأسعار): اختيار كبح التضخم على حساب تحفيز النمو (المتوقع بـ4.9%)؛ وهي أولوية واضحة بأنه لا تيسير نقدي قبل الاطمئنان لعودة التضخم لمساره النزولي.
أشار إلى أن الرسالة الثالثة التي تضمنها قرار التثبيت، وهي الجاهزية للتحرك في كافة الاتجاهات؛ حيث تحمل عبارة “لن نتردد في استخدام الأدوات المتاحة” تهديداً ضمنياً بالرفع ووعداً بالخفض، بما يضمن عدم حصر السياسة النقدية في مسار واحد وسط حالة عدم اليقين.
وعن تأثير القرار على مستويات التضخم، يفرق بين مستويين زمنيين: أولهما المدى القصير (3-6 أشهر)، حيث يرى أن التثبيت عند 19% لن يخفض التضخم وحده؛ كون المعدل الحالي (13.4%) مدفوعاً بصدمات خارجية (طاقة ـ شحن) وعوامل موسمية (رسوم دراسية ـ خضروات) لا تستجيب لآلة “سعر الفائدة”، لذا فقد يتذبذب التضخم بين 12% و14% في الأشهر القريبة.
أضاف، أن المدى المتوسط (9-12 شهراً): يؤكد أن الإبقاء على الفائدة مرتفعة يرسخ التوقعات الإيجابية ويمنع تحول الصدمات المؤقتة إلى “تضخم هيكلي”. مشيراً إلى أن وجود “فائدة حقيقية موجبة” بنحو (+5.6%) يجعل الادخار بالعملة المحلية جاذباً ويحد من الطلب المحلي، وهو ما يمهد لعودة التضخم لمساره النزولي بمجرد استقرار الظروف الخارجية.
بنوك اليوم إختار بنكك